أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )

56

عمدة الحفاظ في تفسير أشرف الألفاظ

هذه المادّة في القرآن إلا ذا اسم الإشارة على رأي بعض النحاة ، وذلك أنّ الأسماء المتوغّلة في البناء لا يدخلها اشتقاق ولا تصريف ، وإن ذكر بعض النحويين فيها شيئا من ذلك فللتّمرين . ومذهب البصريين أنّ ذا ثنائيّ الوضع لأنّه مبنيّ كالحرف . ومذهب الكوفيين أنه ثلاثيّ الوضع ، وأنّ أصله « ذي ي » بدليل تصغيرهم له على ذيّا ، والأصل ذييّا فحذفت إحدى الياءين غير ياء التصغير « 1 » وعوّض منها الألف . وقيل : بل هي عوض من ضمّ أوّله . وفيه كلام طويل حقّقناه في غير هذا ، لا غرض لنا في التّطويل به هنا إذ لا تعلّق له بالمعنى . وفيه لغة ذآ ، بالمدّ . ويقال في التوسّط ذاك « 2 » وفي البعد ذلك وآلك ؛ فله ثلاث مراتب على المشهور عند النّحاة ، ومؤنثه ذي وذه ، وتي وته ، وتا وذات وتسكّن هاء ذه وته ، وتشبع وتختلس وتثنى ذات وتا وجمعهما أولى . وقد تقصر وتلحق هاء التنبيه جميعها إلا ما فيه لام البعد ، والكاف حرف خطاب جارية مجرى الاسم مطابقة . ويكون ذا موصولا مع ما أو من الاستفهامية بشرط ألا يلغى وألا يراد به الإشارة . فالأحسن حينئذ جوابه بالرفع . وإذا أبدل منه وجب الرفع . وقرئ قوله : يَسْئَلُونَكَ ما ذا يُنْفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ « 3 » برفع العفو على أنه موصول ، ونصبه على أنه غلب عليه الاستفهام . وأجمع في السّبع على نصب « خيرا » ورفع « أساطير » من قوله : ما ذا أَنْزَلَ رَبُّكُمْ قالُوا خَيْراً « 4 » ما ذا أَنْزَلَ رَبُّكُمْ قالُوا أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ « 5 » ومن البدل قوله « 6 » : [ من الطويل ] ألا تسألان المرء ما ذا يحاول * أنحب فيقضى ، أم ضلال وباطل ؟ وقولهم : عمّا ذا يسأل هو على جعله مع ما بمنزلة اسم واحد ، ولذلك يثبت ألف ما الاستفهامية مجرورة لوقوعها حشوا « 7 » ، وقول الآخر « 8 » :

--> ( 1 ) يعني الياء الأولى . ( 2 ) وفي الأصل : ذلك . ( 3 ) 219 / البقرة : 2 . يقول الفراء ( معاني القرآن : 1 / 141 ) : وجه الكلام فيه النصب ، يريد : قل ينفقون العفو ، وهو فضل المال قد نسخته الزكاة . ( 4 ) 30 / النحل : 16 . ( 5 ) 24 / النحل : 16 . ( 6 ) البيت للشاعر لبيد ( الديوان : 254 ) وهو مطلع رثائه للنعمان . ( 7 ) والأصل إسقاط الألف فتقول : عمّ ؟ لم ؟ ( 8 ) كذا في الأصل .